الزوجة الثانية
ان النفوس البشرية عالم غامض لا يعرف كنهه الا الله تعالى ، وتختلف
كثيرا فيما بينها ، وتتغير هي نفسها من وقت لآخر ، ، ولا تثبت على
حال .. تدخل عليها أشياء جديدة ، مشاعر جديدة ، آراء جديدة .
كل ذلك مرهون بتعاملات البشر المحيطين ، وظروف الزمان والمكان.
ان الحياة حول الناس تتغير فتتغير تبعا لذلك ردود افعالهم ، وتختلف
استجاباتهم ، انها الحياة الدائمة التغير المستمرة الحركة ، ولا يدري
بأمر هذا التغير الداخلي في النفوس الا خالقها وحده سبحانه وتعالى
.
وهو سبحانه لا يكبت النفوس المسلمة كبتا ، ولا يضيق عليها الخناق ،
وهو لرحمته الالهية لا يجعلها تحيا حياتها اسيرة اختيار قد يخطئ وقد
يصيب وقد يجد عليه من ظروف الحياة ما يجعله خيارا يستلزم التعديل
كله او بعضه .
وخيار الزواج خيار خاضع في اغلبه لهذه النفوس البشرية التي تختلف
من شخص لآخر وايضا من وقت لآخر ، ومن ظرف لآخر . وقد يختار الزوج
ويفرح بخياره اول الامر ثم تبدو في حياته ظروف لا يعلمها الا الله وحده
، فاذا هو في صراع نفسي وصدام داخلي بين اختيار هو واقعه المعاش
وبين امر آخر تميل اليه نفسه او يفضله في داخله الشعوري ، فاذا هو
يريد ان يقبل على الزواج مرة اخرى ، والزواج الثاني في الاسلام
خيار لم يحرم ، ولم يشجبه الاسلام او يعتبره نقيصه او ذريعة للإزدراء
.
ان الزواج الثاني هو احد مظاهر الرحمة الالهية الكبيرة بهذه النفوس
المسلمة ، من مظاهر رحمته تعالى بالزوجين الرجل والمرأة ـ وبالمرأتين
الاولى والثانية .
والخيارات المتسعة للمسلم في الحياة هي منافذ للرحمة ، تتدارك المسلم
وقت الضيق لتنتشله من الازمة وتغدق عليه من الرحمة والهناء ما
يضمن له الهدوء والهناء النفسي .
ان وزن الامور كلها بمقياس الحلال والحرام يجعل المؤمن يعيش حياة
هانئة تخلو من كل مشاعر الغيض او الثورة والهم ، يقول تعالى
للمؤمنين ( وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خيرلكم ، وعسى ان تحبوا شيئاً
وهو شرٌّ لكم )
[ البقرة 216 ] . ( فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيراً كثيراً
) [ النساء 19] .
وكأن الله تعالى يريد من المؤمن ان لا تكون مشاعره وأهواءه هي دافعه
الاول ، او مرجعه عند الخيار ، فالله يصرف له ما في صالحه الوقتي
والمستقبلي معاً ، حتى لو بدا له في وقتها ان الامر ليس كذلك ، فقد
تكره الزوجة الاولى فكرة الزواج الثاني ، لكن قد تكون هذه الخطوة
هي الخير العميم الذي يخبئه الله لها، وحين تتلو المؤمنة تلك الآيات
ترمي بهواجس الشيطان بعيدا ، و همسات من لا يعلمون خلف ظهرها ،
وتكتفي بالله تعالى ( والله يعلم وانتم لا تعلمون) [ البقرة 216 ] ،
فاذا النفس تهدأ والقلب يطمئن الى قدر الله ، واذا باب عريض لأمل
كبير يفتح على مصراعيه ويغمر هذا الامل النفس المطمئنة الراضية
تقول " قد يكون هذا الزواج هو الابن الذي لم يحمله رحمي او يتغذى"
من دمائي ، قد يكون هذا الصغير هو اليد التي تعينني اذا تعبت ،
وترفعني اذا تعثرت قدماي، ربما هو اليد الحانية التي ستمسح الاحزان
وتفرح القلب وتعوض النقص ، وتسد العوزاء ، ربما هو الرحمة المهداة
التي يسوقها الله الي .. ولكن تعميمها علي الان حجب الشيطان ! ويعلو
صوت يستنكر ذلك متظاهرا بالرقة والرحمة والحنان : أي ألم رهيب
يسببه الزواج الثاني للزوجة الاولى ،اي ضغط عصبي وقسوة متناهية
تتعرض لها ، اي معاناة !! ونلتفت جميعا حولنا ، هل تخلو الحياة من
اي صورة من صور المعاناة ؟ هل تمضي حياة اي انسان كائنا من كان
دون صعوبة او مشاق ؟! قد لا يتزوج الزوج ، لكنه يكون من سوء
الخلق وسوء العشرة حتى لينتقل من عشيقة لأخرى تحت سمع الجميع ووسط همس
الاقارب ، ورغم نيران الاستنكار والكره التي تنهش زوجته .
وكم هنّ كثيرات من يعشن هذه الحياة ويتحملنها لمختلف الاسباب ، بل
ان بعضهن قد يكافؤها زوجها ( بالايدز ) في نهاية المطاف ، فتقضى
دون ان يهتم بها احد ؟!
قد تسير الحياة كما هي ويتزوج الرجل دون ان يخبر زوجته وينجب ويخفي
عنها انه اب ، ويتركها تعطيه ما اعتادت من حنان وعطف وموالاة ،
بينما هو قد انفصل عنها بعالم مختلف جديد ، يمتلأ بصراخ الطفل او
الاطفال ، بينما قد يكون اشراكها معه في البداية باختيار الزوجة
الثانية ، مانعا للكثير من المشاكل التي تبرز في مستقبل الايام . قد
يكون الزوج متزوجا قبلها ولم يخبرها ولا هي عرفت ذلك ، فماذا لو
كانت هي الثانية وتظن نفسها الاولى ؟! أليس ما سبق صور بسيطة
لمعاناة نفسية حقيقية يحياها الكثير من النساء ، وتمضي حياتهن دون
ان يتباكى عليهن احد ؟!
لعل بكاء وعويل هؤلاء المساكين يتجه الى الزوجة التي تحترق كل ليلة ،
وزوجها مع العشيقات ، فهذه الزوجة اولى بالبكاء واولى بالعويل ,!
.
كتبها سلوي عبد المعبود قدرة في 05:06 مساءً ::
لا يوجد تعليق

الاسم: سلوي عبد المعبود قدرة
